حجر الأبجدية الأولى من أوغاريت
الشرح
في مدينة أوغاريت الواقعة على الساحل السوري، كُتب فصلٌ جديد في مسيرة الإنسانية من خلال اكتشاف “حجر الأبجدية الأولى”. هذا اللوح الطيني، الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، والذي يمثل أحد أهم الإنجازات التي شكلت نقطة تحول هامة أسهمت في بناء أنظمة الكتابة التي نعرفها اليوم.
الإكتشاف
تم اكتشاف حجر الأبجدية الأولى عام 1948 أثناء عمليات التنقيب التي قادتها البعثة الفرنسية برئاسة عالم الآثار كلود شيفر. جاءت هذه الاكتشافات بعد استئناف البعثة أعمالها عقب توقف طويل خلال الحرب العالمية الثانية. عُثر على الحجر في “جناح السجلات” بأحد أجنحة قصر أوغاريت الملكي. كان هذا الجناح مصممًا بعناية يقول شيفر، وذلك لحماية وثائقه القيّمة، إذ لم يكن الوصول إليه ممكنًا إلا عبر حٌجرة واحدة، كما عُثر فيها أيضًا على رؤوس نصال وحراب برونزية مما يُشير إلى وجود حراسة على المكان. يضم هذا الجناح قاعة واسعة يُعتقد أنها كانت مخصصة لأمين السر، إلى جانب مجموعة من الحجرات الضيقة التي خُزّنت فيها وثائق طينية مكتوبة بلغات مِسمارية متعددة، مثل السومرية، والبابلية، والحورية، والأوغاريتية. ومن بين هذه الوثائق، برز اللوح الشهير الذي حمل الأبجدية الأوغاريتية المكوّنة من ثلاثين حرفًا.
الأبجدية الأوغاريتية : حجر زاوية في تطور الكتابة
تُعدّ الأبجدية الأوغاريتية أول نظام كتابة أبجدي شامل في العالم، حيث أنها تضمنت الأحرف الصوتية إضافة إلى الأحرف الساكنة، وكتبت من اليسار إلى اليمين. وقد مثّلت هذه الأبجدية الأساس الذي بُني عليه نظام الكتابة الفينيقي، والذي أثّر على أبجديات عدة مثل العبرية القديمة، والسريانية، واليونانية، واللاتينية، والعربية. حيث تشير الدراسات إلى أن الأبجدية الأوغاريتية استطاعت تسجيل جميع الأصوات الساكنة البدائية للغات الشرق الأدنى القديم، ما يجعلها من أكثر أنظمة الكتابة تطورًا ودقة. ويرى ويلفريد واتسون ونيكولاس وايت، في كتابهما Handbook of Ugaritic Studies، أن اللغة الأوغاريتية كانت صوتيًا أقرب إلى اللغة العربية، لكنها تشارك النصوص الكنعانية في بنيتها الاصطلاحية، مما يعكس الجذور المشتركة للغات الشرق الأدنى القديم. كما يشير “هاولي” المركز الوطني للبحث العلمي في مختبر “الشرق والبحر الأبيض المتوسط – فرنسا”، إلى ارتباط عاطفي وثقافي من قبل الأوغارتيين بأبجديتهم حيث تقول:
“كانت سهلة التعلّم، تعامل معها الأوغاريتيون بإحساس عالٍ من الخصوصية ، فمثلاً استخدموا أختامًا كتبوا عليها كلمة “ختم”. وفي حين وبالرغم من أن الكتبة المحليون كانوا ما يزالون يتدرّبون على نسخ الكتابة البابلية والسومرية في فروضهم المدرسية، نجدهم وقد رسموا الأبجدية الجديدة على الهوامش، ما يعكس حماستهم لتبني نظامهم الأبجدي المحلي الجديد”.
بلغ عدد الألواح الطينية التي عثر عليها في أوغاريت تلك التي تم فك رموزها حتى الآن حوالي الخمسة آلاف لوح طيني. وٌجدت هذه الألواح مكتوبة بتسع لغات، منها الأكادية-البابلية، والسومرية، والهيروغليفية المصرية، والحثية، والقبرصية، والحورية. قدّم هذا التنوع رؤى شاملة عن الثقافة والمجتمع الأوغاريتي، حيث تضمنت الوثائق سجلات إدارية ودبلوماسية وقواميس لغوية تُعد من بين الأقدم في تاريخ البشرية.
يقول فيليب بويز، عالم اللغة في جامعة كامبريدج، إلى أن الكتابة الأبجدية التي نقشها الكتبة على الطين في أوغاريت ربما ماتت مع المدينة، لكنها أثّرت على أنظمة الكتابة في الممالك الآرامية في شمال سوريا ومدن كنعان. ورغم عدم وجود خط مباشر بين أوغاريت والكتابة الفينيقية، إلا أنهما كانتا بلا شك جزءًا من شبكة ثقافية واسعة تتأثر وتتفاعل فيما بينها، مما جعل أوغاريت رائدة في هذا المجال وأعلنت انطلاقةً ساهمت في نشر الأبجدية.
إرث أوغارايت
إن اكتشاف حجر الأبجدية الأولى في أوغاريت يُعد شاهدًا على الإبداع الفكري للإنسان القديم وسعيه لفهم العالم من حوله وتوثيق تجاربه، كما يعكس الانفتاح الثقافي الذي ميّز الشخصية الأوغاريتية من خلال تفاعلها مع شعوب وممالك العالم القديم تلك لم تكن مجرد نظام كتابة جديد، بل مثّلت نقطة تحول جوهرية في أساليب توثيق وتبادل المعرفة الإنسانية عبر العصور.
موقع نقب القطعة




أترك تعليقاً