فنون عصر البرونز والحديد
تشكل هذه القاعة بوابة إلى حقبة مفصلية في تاريخ سورية القديم، وهي الفترة الممتدة من مطلع الألف الثالث حتى القرن السادس قبل الميلاد، والمعروفة بعصري البرونز والحديد. جاءت هذه التسمية من المواد المعدنية التي ساد استخدامها في الأدوات والأسلحة والفنون؛ إذ استُخدم البرونز بكثافة خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، ليتبعه لاحقًا الحديد، الذي بدأ استخدامه على نطاق أوسع منذ الألف الأول قبل الميلاد. شهدت هذه الحقبة نشوء ما يُعرف بممالك المدن الأولى، حيث تحوّلت القرى الزراعية إلى مراكز حضرية واسعة التنظيم. أدى النمو السكاني والاقتصادي إلى نشوء أنظمة إدارية ودينية معقدة، وصعود سلطة مركزية متمثلة في القصر والمعبد، اللذين أصبحا نواتي النظام السياسي والاجتماعي. كانت هذه المدن محاطة بأسوار، وتضم مباني عامة ومخازن، ما يعكس تطور التخطيط الحضري. كما شهدت ظهور نخبة حاكمة وبيروقراطية كتابية نظّمت الإنتاج والضرائب والطقوس.
وفي هذا السياق، كان تطوّر الكتابة حدثًا بالغ الأهمية. فمنذ أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، ظهر في سورية والعراق نظام الكتابة المسمارية لتسجيل المعاملات الاقتصادية والدينية والإدارية. ويُلاحظ أن هذه النصوص اعتمدت رموزًا تصويرية وصوتية معقدة. إلا أن التحول الكبير جاء في القرن الرابع عشر قبل الميلاد مع مملكة أوغاريت، التي طورت أول نظام أبجدي معروف في التاريخ، يتألف من رموز تمثل الأصوات المقطعية للكلمات، ما شكل نقلة نوعية في تاريخ التدوين.
لم يكن المشرق بجناحيه الشامي والرافدي خلال هذه الفترة معزولًا، بل كان منخرطًا في شبكة تفاعلات إقليمية ودولية واسعة، امتدت إلى
الأناضول ومصر، وتجاوزتها نحو قبرص وجزر اليونان والمتوسط غربًا، حتى السهوب والجبال الواقعة شرقًا في مناطق إيران ووسط آسيا، بما في ذلك أفغانستان. وشهدت المنطقة حركات تبادل تجاري وفكري وفني نشطة، انعكست في تنوع الأساليب المعمارية والزخرفية وتداول المواد الخام والنفائس والمعتقدات، ما عزز من دور المشرق كصلة وصل حضارية بين الشرق والغرب.
تميّز الفن في عصري البرونز والحديد بطابعه الرمزي والوظيفي. كانت المنحوتات واللقى المصنوعة من المعادن والعاج والحجر تُستخدم في الطقوس الدينية أو في تزيين القصور، وغالبًا ما عكست هيبة السلطة أو ارتباطها بالعالم الإلهي. ومن أبرز الشواهد على المستوى الرمزي والمعرفي لهذا العصر، حجر أبجدية أوغاريت، الذي يؤرخ لبدايات الوعي الصوتي بالتدوين. أما من حيث البراعة الفنية، فيقدّم كنز أور من ماري مثالًا رائعًا عن الرفاه والتطور الفني في تلك الفترة، بما يحتويه من حُليّ ومقتنيات ذهبية ونقوش دقيقة تعكس ذوقًا راقيًا وعمقًا حضاريًا.
يضم المتحف الوطني في دمشق قطعًا مختارة من هذه الحقبة، تمثل ممالك ماري وإيبلا وأوغاريت، من تماثيل ولوحات فنية إلى أدوات ولقى نذرية وإدارية، تشهد على تطور فنون النحت والمعادن والكتابة. وتشكل هذه المقتنيات نافذة حية على حضارة سورية القديمة، التي أسست لمفاهيم الدولة واللغة والفن في الشرق الأدنى القديم.
وإذا كان الفن قد وُلد قبل هذه المرحلة بزمن طويل، فإن ما شهدته عصرا البرونز والحديد من تنظيم وكتابة ورموز وأبجديات، جعل من الفن مرآة واضحة لحضارات ناضجة تشكلت فيها ملامح الدولة والمجتمع والدين.