قاعة الفن البيزنطي
يمثل الفن البيزنطي أحد أبرز مراحل التحول الفني في التاريخ السوري، حيث انتقلت الفنون البصرية من محاكاة الواقع الحسي، كما كان الحال في الفن الكلاسيكي الإغريقي والروماني، إلى التعبير الرمزي الذي يسعى إلى تصوير ما وراء العالم المادي. فقد تخلى الفنانون تدريجياً عن السعي لتجسيد الطبيعة والواقع الظاهري بدقة، لصالح مقاربة تعبيرية تتوسل الرمز والاختزال لإيصال المعاني اللاهوتية والروحية العميقة. ويأتي هذا التحول استجابة لتغيرات أعمق في النظرة إلى الكون والوجود، كانت الكنيسة المسيحية في قلبها، إذ أصبحت الصورة وسيلة للتأمل لا للتمثيل، وجسراً إلى العالم الغيبي أكثر من كونها مرآة للعالم المحسوس.
تجلى هذا الاتجاه الفني في عدد من الوسائط التي ازدهرت في الفترة البيزنطية، وأهمها: الفسيفساء، التي تميزت بإشراق ألوانها ورمزية تكوينها البصرية، وكانت جزءاً عضوياً من العمارة الكنسية؛ والأيقونة، التي باتت محور العبادة الفردية والجماعية؛ والتصوير الجداري، الذي غطى جدران الكنائس بالألوان والمعاني؛ والمنمنمات التي زُيّنت بها المخطوطات الدينية والفكرية. ولعبت هذه الوسائط جميعها دوراً محورياً في تشكيل الذوق البصري للمجتمعات المسيحية في بلاد الشام وعموم الشرق. في سوريا، وخصوصاً في مناطق مثل الرها وقرتمين وجبيل، ازدهرت مراكز للنسخ والتدوين، وظهرت فيها مدارس فنية تولّت كتابة وتزيين المخطوطات على الرق والبردي. وقد كُتبت هذه المخطوطات في الغالب باللغة السريانية، واستُخدمت فيها عناصر فنية تداخل فيها أسلوبان:
الأول كلاسيكي ذو جذور متوسطية، تجلى في الاهتمام بتكوينات الجسد والمنظور، والثاني مشرقي سوري اعتمد الرمزية والزخرفة وتغليب المعنى على الشكل. وقد أثمر هذا التفاعل بين التقاليد عن نمط تصويري مميز، سرعان ما أصبح مرجعاً معتمداً في مختلف أنحاء الإمبراطورية البيزنطية، وتكرّر في الحلي والأقمشة والنقوش الحجرية والمعدنية على حد سواء.
وقد ساهمت هذه الفنون في ترسيخ هوية دينية وثقافية مميزة، تُعد من اللبنات الأساسية في تاريخ الفن المسيحي الشرقي. كما تُعد سجلاً مرئياً لفهم المجتمعات لنفسها، ولعلاقتها بالمقدس، ولتطور وعيها الجمالي والروحي العميق والمتجذر في تقاليدها.
يُعد الفن البيزنطي في سوريا امتداداً لتقاليد فنية راسخة، لكنه أيضاً مرحلة إعادة صياغة وتجديد. فقد حملت الصور البيزنطية في الشرق خصائص محلية عكست واقع المجتمعات السورية وخصوصيتها الدينية والثقافية المتعددة. ولا يمكن فصل هذا الفن عن البيئة الاجتماعية والسياسية التي أنتجته، والتي كانت تتفاعل فيها سلطة الدولة مع سلطة الكنيسة، وتتشكل فيها الهوية الفنية ضمن إطار من الجدل الروحي والثقافي المتواصل والبنّاء.
في هذه القاعة، يعرض المتحف الافتراضي السوري نماذج مختارة من الفنون البيزنطية التي أبدعها فنانو سوريا بين القرنين الرابع والثامن الميلادي، والتي تشهد على قوة الرمز، وبلاغة الصورة، واستمرارية الإبداع في أرضٍ لطالما كانت ملتقى الحضارات الإنسانية الكبرى.