قاعة الفن الكلاسيكي

تمثل قاعة الفن الكلاسيكي في المتحف الوطني بدمشق نافذة على مرحلة حاسمة من تاريخ الفنون في سوريا والمشرق، وهي المرحلة التي شهدت اندماجاً خلاقاً بين تقاليد الشرق القديم وإرث البحر الأبيض المتوسط الهلنستي والروماني. تمتد هذه المرحلة من أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، عقب حملات الإسكندر المقدوني، وحتى أواخر العصور القديمة في القرن الثالث الميلادي. وقد تحولت فيها مدن كبرى مثل أنطاكية، وأفاميا، وتدمر، وبصرى، ودورا أوروبوس، إلى مراكز إشعاع فكري وثقافي وفني، واحتضنت مدارس وأساليب تعكس تلاقح التقاليد المحلية مع مؤثرات العالم الإغريقي والروماني.

شهدت هذه الحقبة تغيراً جذرياً في أنماط التفكير وتصورات الإنسان عن العالم والوجود. فقد تراجعت المنظومات الدينية الكونية الكبرى أمام صعود النزعة الفردية والفلسفات الأخلاقية والرواقية، كما ظهرت مدارس فكرية جديدة تسعى لفهم الطبيعة والإنسان من منظور عقلاني وعاطفي في آنٍ معاً. انعكس هذا التحول الفكري بوضوح في الإنتاج الفني، حيث انتقل الفن من كونه وسيلة اتصال بالميتافيزيقي والمقدّس، إلى أداة تعبير عن المشاعر الإنسانية والتجربة الفردية  تميّز الفن السوري خلال العصر الهلنستي، خصوصاً في مدينة تدمر، بخصوصية لافتة. فبينما تأثر الفن المحلي بالأساليب اليونانية والرومانية، احتفظ في الوقت نفسه بعناصره الشرقية في التكوين والمضمون.

تأخذ النماذج النحتية التدمريّة، على سبيل المثال، مكانة مركزية في هذا السياق، لما تعكسه من قدرة على تمثيل الواقع الإنساني بجماليات متفردة، سواء في إبراز تفاصيل الوجوه أو في دقة تصوير اللباس والحلي والنقوش الكتابية التي ترافق المشهد النحتي.والجمال المحسوس. ومع بروز الحقبة الرومانية، تعززت النزعة الواقعية في الفن، وتوسعت مجالاته لتشمل المعابد والمسارح والطرقات وحتى المنازل الخاصة. وأخذ الفن يدخل حياة الناس اليومية، متحرراً من احتكاره في خدمة الملوك والكهنة، ومتجهاً نحو تمثيل الأفراد والمجتمع. لم تعد المنحوتات تمجيداً مطلقاً للأبطال أو الآلهة، بل صارت تمثل أشخاصاً عاديين، تجسّد في ملامحهم تعبيرات الحزن أو الحكمة أو الرصانة، وترتسم على وجوههم خطوط الزمن وتجاعيد الحياة.

تكشف مقتنيات هذه القاعة الغنية تنوع الأساليب والمواد المستخدمة، من الرخام والحجر الكلسي إلى البرونز والفسيفساء، وتعرض نماذج نحتية وعمائر ونقوشاً تُظهر كيف تفاعلت الذائقة الجمالية السورية مع التأثيرات الخارجية، وأعادت إنتاجها ضمن لغة فنية تعبّر عن هوية محلية متفردة. إن تتبع هذه التحولات عبر المعروضات يتيح للزائر أن يستشف ليس فقط تغير الذائقة والأسلوب، بل أيضاً تحولات الوعي والهوية في مجتمع مشرقي عاش مفترق طرق الحضارات.