حكاية المتحف: من نواة قوامها الوعي المحلي إلى مؤسسة وطنية

لا يمكن فهم نشأة متحف السويداء الوطني من دون التوقف عند تاريخ طويل من التفاعل الإنساني الوجداني مع التراث المادي في منطقة جبل العرب، حيث شكّل الوعي المحلي بأهمية الآثار، إلى جانب النشاط العلمي المتزايد منذ أواخر القرن التاسع عشر، أساسًا لتكوّن النظرة الحديثة لحفظ التراث ودراسته في هذه المنطقة.

حوران والبعثات الإستكشافية الأولى

في القرن التاسع عشر ومع  بداية البعثات الاستكشافية الأولى، كان حوران يُنظر إليه كمتحف مفتوح للعمارة البازلتية الفريدة، حيث بقيت معابد ومسارح وبيوت ومبانٍ عامة قائمة إلى حد بعيد بفضل صلابة الحجر البركاني. هذا جعل المنطقة مكانًا مثاليًا لدراسة تطورفترة ا العمارة الكلاسيكية في سياق محلي، ولتوثيق مئات النقوش اليونانية واللاتينية والنبطية التي بدأت تصل للغرب من خلال الحملات الاستكشافية الأوربية الأولى مثل بعثة دي فوغيه الفرنسية (Charles-Jean-Melchior de Vogüé)، وأعمال شوماخر الألماني (Gottlieb Schumacher). توسّعت هذه الجهود مع وصول البعثات الأمريكية التي قادها هاوارد كروسبي بتلر: المشروع حظي بتمويل من Princeton University  ومن جهات مانحة خاصة في الولايات المتحدة، خصوصًا عائلات ثرية دعمت الدراسات الكلاسيكية والتوراتية. هذا التمويل سمح باستمرارية هذه البعثات ومن تجهيزها بالمصورين والمهندسين المدنيين مثل F. A. Norris. وعليه قام بتلر (Butler)، بإنجاز أول مسح شامل لجنوب سوريا، بالتركيز على مواقع بُصرى وصَلخد وسهول البازلت الشرقية. وأسفرت تلك البعثات عن مخططات وصور فوتوغرافية ونسخ للنقوش، أبرزت فرادة العمارة البازلتية في حوران واستمراريتها في النسيج العمراني المحلي.

خريطة لمنطقة جنوب حوران، مأخوذة عن منشورات بعثات جامعة برنستون الأثرية إلى سوريا (1904–1905 و1909) بإشراف هاوارد كروسبي بتلر.

 خلال فترة الانتداب الفرنسي

مع قيام الانتداب الفرنسي (1920–1946)، أصبح النشاط الأثري في سوريا، بما فيه منطقة حوران، أكثر تنظيماً وذا طابعٍ مؤسَّسي. فقد أُنشئ جهاز للآثار برئاسة رينيه دوسّو (R. Dussaud)، الذي أشرف على أعمال المسح والتنقيب والنشر، وأطلق مجلّة سوريا (Syria. Revue d’art oriental et d’archéologie) وسلسلة المكتبة الأثرية والتاريخية (Bibliothèque Archéologique et Historique). وفي عام 1929 تولّى هنري سيريج (H. Seyrig) إعادة تنظيم هذا الجهاز، ثم ترأس المعهد الفرنسي في دمشق، مما عزّز التعاون الأكاديمي والرقابة على الأنشطة الميدانية،.

أما في منطقة السويداء، فقد قامت بعثات فرنسية، أبرزها أعمال موريس دونان (M. Dunand) وجوزيف موترْد (J. Mouterde) وهنري ماسكل (H. Mascle)، بإنتاج رصيد علمي مهم حول نقوش ونُصُب وعمارة حوران. أصدر دونان سنة 1934 كتابه متحف السويداء: نقوش ونُصُب مصوّرة، وهو أول فهرس منشور للمجموعة الأثرية في المتحف. وساهم موترْد في دراسة النقوش اليونانية والنبطية، بينما عمل ماسكل، بصفته مفتشاً على آثار جنوب سوريا، على الجمع بين المسوحات الميدانية وحماية المواقع في جبل العرب. وقد شملت نتائج هذه الجهود توثيق المعابد والمسارح والقبور والنقوش، إلى جانب تسجيل المنحوتات البازلتية والفسيفساء التي ظهرت خلال أعمال تنقيب مرتبطة بعمليات حماية وصيانة. وقد وفّر هذا الرصيد العلمي مادة أساسية للمعرفة بتاريخ حوران الأثري، وشكّل قاعدة اعتمدت عليها المراحل اللاحقة في جمع اللقى وتطوير مناهج التوثيق الأثري في المنطقة.

من باحة الحكومة إلى بدايات المتحف الحديث

بعد مرحلة الانتداب، تواصل تجميع اللقى الأثرية في السويداء ضمن فضاءات مؤقتة (باحة دار الحكومة ثم قاعة سينما قديمة)، فيما بدأ منذ السبعينيات طورٌ بحثيّ أشمل في جنوب سورية تقوده بعثات مشتركة بين المديرية العامة للآثار والمتاحف (DGAM) وهيئات بحثية فرنسية. فقد أطلق المعهد الفرنسي لآثار الشرق/إفپو (IFAPO/Ifpo) برنامج «حوران» بإدارة جان-ماري دَنْتزر (J.-M. Dentzer)، متضمّنًا مسوحًا وتنقيبات في مواقع عدّة، من بينها سيع/سِيّا (Siʿ) حيث بدأت حفريات «سِيʿ 8» سنة 1977 ضمن بعثة سورية-فرنسية تواصلت لاحقًا كمشروع سوري-فرنسي-ألماني (1998–2001) ونُشرت نتائجه في سلسلة Hauran (منها Hauran II وHauran IV). كما أُنجزت مسوحات واسعة في سهل حوران خلال منتصف الثمانينيات قادها فرانسوا فيلنوف (F. Villeneuve) ثم دَنْتزر، وأثمرت الأبحاث الجماعية في Hauran I (1985–1986) حول تاريخ الاستيطان والعمارة واللقى والنقوش في جنوب سورية. وإلى جانب ذلك، برزت اكتشافات فسيفسائية مهمّة في شهبا/فيلبّوبوليس ساهمت في إبراز ثراء مقتنيات المنطقة ونقل أجزاء منها إلى متحفي السويداء وشهبا، وهو سياق مهّد عمليًا لافتتاح مبنى متحف السويداء الحديث عام 1990. وقد وفّرت هذه المشاريع قاعدة منشورة من الصور والمخططات والقراءات الكتابية تُستند إليها اليوم في دراسة تاريخ حوران الأثري وحصر شواهده.

فسيفساء شهبا: نقطة تحوّل

شكّل اكتشاف فسيفساء رومانية متأخرة في شهبا (فيلبّوبوليس) مطلع الثمانينيات منعطفًا حاسمًا في تاريخ آثار جبل العرب. فقد كشفت البعثة الوطنية آنذاك عن لوحات فسيفسائية ذات قيمة استثنائية مثل مولد فينوس والإلهة تيثيس، وقد تميّزت بمستواها الفني الرفيع وبمضامينها الأسطورية الغنية التي عكست التقاء التقاليد الكلاسيكية ببراعة الحرفيين المحليين. غير أنّ أهمية هذه الاكتشافات لم تكمن في بعدها الجمالي فحسب، بل في إبرازها القصور الواضح للفضاءات المؤقتة التي كانت تحتضن المجموعات الأثرية المتزايدة منذ الأربعينيات، الأمر الذي جعل من الضروري إنشاء مبنى متحفي ملائم لحفظ وعرض هذه التحف.

نشأة المتحف الحديث

لقد تجمّعت مجموعات متحف السويداء عبر مسار طويل: بدءًا من اللقى التي عُثر عليها في مواقع محلية بارزة مثل قنوات وسلمى وعَتيل وشهبا، والتي كانت تحفظ في باحة دار الحكومة، ثم ما أضيف إليها لاحقًا من مكتشفات بعثات أثرية سورية وأجنبية نُقلت إلى قاعة السينما القديمة في منتصف القرن العشرين. كما أسهم الأهالي بدور ملحوظ من خلال تبرعات فردية لقطع بازلتية ونقوش عُثر عليها في أراضيهم. ومع توسّع أعمال التنقيب منذ السبعينيات (خاصة في شهبا وسيع وبصرى) تضاعف حجم المواد المنقولة إلى السويداء، إلى أن أصبح من غير الممكن استيعابها في الأبنية المؤقتة. وجاء افتتاح المبنى الجديد عام 1990 كتتويج لهذه التراكمات، مشيّدًا من البازلت الأسود المحلي بأسلوب معماري يعكس طبيعة المنطقة البركانية، وليضم قاعات عرض متخصصة، غرف ترميم، مكتبة، وحديقة أثرية في الهواء الطلق. بعد ذلك بوقت قصير، في عام 1991، صدر المجلد الجماعي بعنوان “جبل العرب: التاريخ والتراث في متحف السويداء” (Le Djebel al-ʿArab: History and Heritage at the Museum of Suweida) تحت إشراف جان ماري دينتزر وجاكلين دينتزر-فيداي. وقد أعدّ حسن حاطوم فهرس المتحف بمشاركة كل من علي أبو عساف، وميشيل المقدسي، وجانين بالتي، وآني سارتر-فورييه، وموريس سارتر، وغيرهم من المتخصصين. ونظراً لجمعه بين تاريخ وآثار جبل العرب وفهرس لمقتنيات المتحف، لا يزال هذا المجلد يُعدّ أحد المراجع الأساسية المتعلقة بمتحف السويداء.

المؤسسة والهوية

يحتوي المتحف اليوم على مجموعة واسعة تمثّل طبقات التاريخ في جبل العرب من عصور ماقبل التاريخ ومن خلال  العصور النبطية والرومانية والبيزنطية حتى الإسلامية. وتشمل مقتنياته الأيقونية فسيفساء شهبا النادرة، إلى جانب التماثيل البازلتية الضخمة، النقوش اليونانية والنبطية، وأعمال نحت معمارية من مواقع إقليمية متعدّدة. وتمثل هذه المقتنيات حصيلة أكثر من قرن من الاكتشافات الميدانية والمبادرات المحلية، وهو ما يجعل المتحف رمزًا متجدّدًا للهوية الثقافية في المنطقة ومركزًا للبحث والتعليم والتفاعل مع التراث.

  • Butler, Howard Crosby, ed. Syria: Publications of the Princeton University Archaeological Expeditions to Syria in 1904–1905 and 1909. 4 vols. in 9. Leiden: E. J. Brill, 1907–1949.
  • Dentzer, Jean-Marie, ed. Hauran I: Recherches archéologiques sur la Syrie du Sud à l’époque hellénistique et romaine. 2 parts. Bibliothèque archéologique et historique 124. Paris: Paul Geuthner, 1985–1986.
  • Dentzer, Jean-Marie, and Jacqueline Dentzer-Feydy, eds. Le Djebel al-ʿArab: Histoire et patrimoine au musée de Suweida. Catalogue prepared with Hassan Hatoum. Paris: Éditions Recherche sur les Civilisations, 1991.
  • Dunand, Maurice. Le Musée de Soueïda: Mission archéologique au Djebel Druze; inscriptions et monuments figurés. Bibliothèque archéologique et historique 20. Paris: Librairie Orientaliste Paul Geuthner, 1934.
  • أبو عسّاف، علي. آثار جبل العرب. دمشق: المديرية العامة للآثار والمتاحف، 1990.