- The National Museum of Aleppo – متحف حلب الوطني

نحن لا نستورث الأرض من أجدادنا بل نستعيرها من أحفادنا

الآثار السورية هي جزءً من التراث الإنساني العالمي بقدر ما هي جزء من ذاكرتنا الجماعية كسوريين ؛ إنها تقدم دليلاً على تنوع المجتمع السوري عبر التاريخ وتشاركيتهم في عملية البناء الحضاري. إن حماية هذه الآثار، وموضوع التوعية بها  والحفاظ على سلامتها أثناء الصراعات هي مسؤولية الجميع. تهدف مبادرتنا إلى دعم هذه الأفكار وإبراز روابطنا المشتركة وهويتنا الجامعة كسوريين.

 يهدف هذا المشروع إلى تسليط الضوء على أهم القطع الأثرية في المتحف الوطني بحلب. مشروع متحف حلب الوطني الإفتراضي هو أحد المشاريع التوثيقية في مبادرة ميراث التراث الثقافي السوري. ميراث هي منظمة أهلية، غير ربحية ومستقلة. نحن في مبادرة ميراث لتوثيق التراث الثقافي السوري المادي لا نمثل ولا نعبر بالمطلق من خلال مشاريعنا أو آرائنا عن أي كيان سياسي، أو عقائدي كان.

حتى تاريخه، لم يكتب لأي من المتاحف السورية أن تأخذ فرصتها بالوجود في الفضاء الإلكتروني. نتطلع في ميراث لأن يكون هذا المشروع منصة رصينة لتبادل المعلومات والخبرات حول القطع الأثرية السورية كما لأن يكون أداة للتعريف بهذا الجزء المهم من التراث المادي السوري لمن لم يتاح له التعرف عليه من قبل أو لمن تعرف عليه متأخراَ.

يُعدُّ المتحف الوطني بحلب أحد الركائز الأساسية في المشهد الثقافي السوري، ويُصنَّف إلى جانب المتحف الوطني بدمشق كواحد من المؤسستين المركزيتين التي تُعنى بحفظ التراث الأثري للبلاد. في حين يُعَدّ المتحف الوطني بدمشق المرجع المركزي في جمع ودراسة التراث الأثري على مستوى القطر، فإنَّ حلب تمثل القطب الشمالي والشرقي في الشبكة الوطنية للمتاحف، حاملةً إرثًا حضاريًّا عظيمًا يمتدّ عبر آلاف السنين.

تأسس المتحف رسمياً عام 1931، ويقع في قلب المدينة التاريخية على شارع بارون، بالقرب من معالم أثرية وثقافية بارزة كفندق بارون وساحة باب الفرج. وقد ركّز منذ بدايته على جمع ودراسة الآثار المستمدة من شمال سوريا، مع تركيز خاص على المواقع الأثرية الكبرى في المنطقة.

ترجع بدايات تجميع مقتنياته إلى عام 1928، حين بدأت جهود منهجية لتكوين مجموعة أثرية تمثّل الحضارات القديمة التي تعاقبت على الإقليم. ركّزت هذه المجموعة الأولية على العصور ما قبل الهلنستية، حيث شكلت اللقى الأثرية الواردة من تل حلف، تل براك، تل أحمر، بالإضافة إلى اللقى الأولى من ماري، وأوغاريت النواة الأساسية للمجموعة الأثرية في المتحف الوطني بحلب، وترجع أهميتها إلى كونها تمثل حضارات مركزية في تاريخ بلاد الشام والعراق القديم. بدأت عمليات التنقيب المنهجي في هذه المواقع في أوائل القرن العشرين، في سياق اهتمام أوروبي متزايد بالشرق الأدنى القديم.

استُخدم في البداية مبنى قصر عثماني صغير، لكنَّ تزايد عدد القطع الأثرية جعله غير كافٍ. لذا، وفي عام 1966، قرّرت السلطات المختصة هدم المبنى القديم وبناء هيكل حديث يتناسب مع طبيعة المجموعة وحجمها. بدأت الأشغال في 1967 وفق تصميم فاز بالمركز الأول في مسابقة دولية، من إعداد المهندسين اليوغسلافيين زدرافكو بريغوفاتش وفينسلاف ريشتر، واكتمل البناء وافتُتح رسميًا في 1972**.

يُعدّ مشروع إنقاذ الآثار في منطقة بحيرة سد الفرات من أبرز الفصول في تاريخ المتحف. فمع تأسيس سدّ الطبقة على نهر الفرات في السبعينيات، بات من الواضح أنَّ ارتفاع منسوب المياه سيُغمر سلسلة من المواقع الأثرية في وادي الفرات العلوي، المأهول منذ العصر النطوفّي المتأخر (10800–9500 ق.م). استجابةً لهذه المخاطر، أطلقت سوريا، بدعم من **اليونسكو**، واحدة من أضخم حملات إنقاذ آثاري في التاريخ الحديث للشرق الأدنى.

بين عامَي 1963 و1970، أُجرِيت مسوحات جوية وأرضية حددت أكثر من 25 موقعًا تستدعي الحفريات العاجلة. ثم تلت ذلك حملة حفريات منظمة بين 1971 و1977، شاركت فيها بعثات من سوريا وعدد من الدول، منها فرنسا وإيطاليا وهولندا وألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا واليابان وبلجيكا. وشملت المواقع البارزة  أبو هريرة، دبسي فرج، تل فرّة، إمار، تل حديد، جبل عرودة، وقلعة جعبر.

وتمكّنت سوريا من تعزيز التعاون الدولي عبر تعديل مؤقت في قانون الآثار، يسمح للبعثات الأجنبية بالاحتفاظ بنصيب من المكتشفات. وقد أثمر هذا الترتيب عن نتائج باهرة، حيث تمّ إنقاذ آلاف القطع. ونُقل الجزء المخصص للجانب السوري، خصوصًا من مواقع دبسي فرج، تل الشيخ حسن، وقلعة جعبر، إلى المتحف الوطني بحلب، الذي أصبح بذلك مركزًا رئيسيًا لحفظ تراث الفرات.

خلال فترة الحرب السورية، تعرّض المبنى لأضرار جسيمة في يوليو 2016 جرّاء قصفٍ بالقذائف والصواريخ، ما أدى إلى تضرر السقف والهياكل الحاملة. ومع ذلك، فقد نجحت الهيئة العامة للآثار والمتاحف في إجلاء الغالبية العظمى من المجموعة قبل وقوع الاعتداء، مما حال دون كارثة ثقافية لا تعوّض. كما أنه لا يمكن إغفال دور القائمين على المتحف في عمليات تأمين واجهته وحماية القطع الأثرية التي لم يمكن نقلها مثال أيقونة المتحف، تمثال ربة الينبوع من ماري.

يظلّ المتحف الوطني بحلب شاهدًا على عمق الحضارة السورية، ورمزًا للحفاظ على الذاكرة الجماعية في أحلك الظروف. لم يكن يومًا مجرد مخزن للقطع الأثرية، بل مؤسسة حيّة تُجسّد استمرارية الهوية الثقافية للمنطقة. اليوم، ومع تواصل جهود التوثيق الرقمي والبناء الافتراضي للقطع في منظمة ميراث، مشروع **المتحف الافتراضي السوري** نأمل أن يتجدّد دوره كمنارة للبحث، والتعليم، والتفاعل المجتمعي. إنّ مستقبل المتحف ليس فقط في إعادة فتح أبوابه، بل في إعادة ربط الأجيال الجديدة بجذورها، وتقديم تراث سوريا إلى السوريين والعالم بلغة العصر.

- The National Museum of Aleppo – متحف حلب الوطني