عن مشروع متحف الرقة الافتراضي
الآثار السورية جزءٌ من التراث الثقافي الإنساني، بقدر ما هي جزءٌ أصيل من ذاكرتنا الجماعية نحن السوريين؛ هي شاهد على تنوع المجتمع السوري وأصالته وتأثيره الحضاري عبر التاريخ. من هذا المنطلق، فإن مسؤولية حماية هذا التراث، وتحييده عن الصراعات، والحفاظ على سلامته، تقع على عاتق الجميع. تسعى مبادرة ميراث إلى دعم هذه المبادئ، وإبراز ما يجمع السوريين من روابط ثقافية، والإسهام من خلال التراث في بناء السلام.
المتحف الافتراضي السوري مشروع رقمي وثائقي يعنى بالتراث الثقافي السوري، يعمل تحت المظلة الإدارية لمنظمة ميراث التراث الثقافي السوري. “ميراث” هي منظمة أهلية مستقلة غير ربحية، مسجلة في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، يديرها متطوعون سوريون. ولا ترتبط المنظمة بأي توجه سياسي أو أيديولوجي، وتنطلق في عملها من الإيمان بأن الحقوق الثقافية ملك لجميع السوريين.
متحف الرقة الافتراضي، وهو أحد أقسام مشروع المتحف الافتراضي السوري، من خلالهـ تسعى منظمة ميراث في توثيق متحف الرقة ومجموعاته الأثرية بعد ما تعرضت له من نهب وشتات وتَلف خلال سنوات الحرب السورية، لا سيما بين عامي 2013 و2017. ويعتمد المشروع على ما توفر من سجلات المتحف، والصور الأرشيفية، والمنشورات العلمية، وأعمال توثيق القطع التي بقيت ضمن مجموعته أو استُعيدت بعد عام 2017. ويسعى إلى حفظ المعلومات المتعلقة بهذه المجموعات وإتاحتها للباحثين والجمهور.
متحف الرقة ومجموعاته الأثرية
افتُتح متحف الرقة في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1981، وأصبح إحدى أبرز المؤسسات المتحفية في المنطقة، بما ضمه من مجموعات أثرية توثق تاريخ مدينة الرقة وحوض نهر البليخ ووادي الفرات الأوسط. وكان المتحف يضم قبل الحرب نحو 8,900 قطعة أثرية، عُثر عليها خلال أعمال التنقيب في تل صبي أبيض، وحمام التركمان، وتل الفار، وممباقة، وحويجة حلاوة، وتل البيعة، والشيخ حسن، وكَسرة، والرصافة، وتل العبد، وتل خويرة، وغيرها من المواقع.
كما ضمت مجموعاته آثاراً من مدينة الرقة التاريخية، من بينها قطع وعناصر معمارية مرتبطة بأسوارها ومساجدها وقصورها العباسية، ومنها قصر البنات والقصر المنسوب تقليدياً إلى هارون الرشيد.
المتحف خلال الحرب السورية
تعرض متحف الرقة خلال الحرب السورية، ولا سيما بين عامي 2013 و2017، لأضرار جسيمة، ونُهب عدد كبير من مقتنياته. ويُحتمل أن يكون بعض القطع المسروقة قد وصل لاحقاً إلى أسواق الاتجار غير المشروع بالآثار.
في عام 2013، جرى توضيب نحو 3,000 قطعة من مقتنيات المتحف ونقلها، بالتنسيق مع المديرية العامة للآثار والمتاحف في دمشق، حيث جرى تأمينها في فرع مصرف سورية المركزي في مدينة الرقة. بعد مدة وجيزة، اقتحمت إحدى كتائب أحرار الشام المصرف واستولت على محتوياته، بما فيها القطع الأثرية المحفوظة فيه. ولا يزال مصير عدد كبير من هذه القطع مجهولاً.
لم يسلم مبنى المتحف من الأضرار. فقد أُقيم المتحف في مبنى السرايا العثمانية العائد إلى عام 1861، تعرض خلال الحرب لتعديات واسعة؛ فخُلعت أبوابه، وتحطمت نوافذه، وأصابت القذائف سقفه، واحترق أحد مستودعاته وجزء من حديقته، كما انهار قسم من جداره الشرقي. وأثناء سيطرة تنظيم «داعش» على المدينة، استُخدمت الباحة الأمامية للمتحف مطعماً للشواء، بينما استُخدمت الحديقة الخلفية ورشةً لإصلاح البرادات.
إعادة تأهيل متحف الرقة وتوثيق مجموعاته
بعد انتهاء سيطرة تنظيم «داعش» على مدينة الرقة في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بدأت الجهود الرامية إلى إنقاذ ما تبقى من مجموعة المتحف، وحصر القطع المستردة، وجمع المعلومات المتعلقة بالمقتنيات المفقودة، إلى جانب العمل على إعادة تأهيل المبنى المتضرر. وشارك في هذه الجهود مجلس الرقة المدني، ومنظمة رؤيا المحلية، وعدد من العاملين في مجال الآثار والتراث الثقافي.
كان محمد العزو قد بدأ عمله أميناً في متحف الرقة عام 1987، ثم تولى إدارة المتحف في مرحلة لاحقة. وأسهم بعد الحرب في متابعة أوضاع المجموعة، وتوثيق القطع المتبقية والمستردة، وتعقب المعلومات المتعلقة بالمقتنيات التي تعرضت للنهب.
وفي عام 2019، بدأ مشروع لإعادة تأهيل مبنى المتحف قادته الجمعية الفرنسية La Guilde Européenne du Raid، بالتعاون مع منظمتي رؤيا وIMPACT المحليتين، وبالتنسيق مع مجلس الرقة المدني، وبدعم مالي من مؤسسة ألف (ALIPH)، أي التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع. وشملت هذه المرحلة ترميم الأجزاء المتضررة من المبنى وصيانة خزائن العرض وتهيئة المساحات اللازمة لحفظ القطع وعرضها.
ومنذ عام 2022، انتقل العمل إلى مرحلة خُصصت لمجموعة المتحف نفسها، فجرى حصر القطع التي نجت من الحرب وإعادة تكوين سجلها، إلى جانب تحسين ظروف تخزينها وتنفيذ أعمال الحفظ الوقائي وإعداد معرض مؤقت. وتولت هذه الأعمال فرق محلية ودولية بالتعاون بين الجمعية الفرنسية ومنظمة رؤيا، تحت إشراف المرممة هبة البصير، وعالم الآثار ياسر شوحان، والدكتورة أندريا بيكر.
أُعيد افتتاح متحف الرقة أمام الجمهور في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بعد سنوات من أعمال التأهيل والتوثيق والحفظ. وأتاح الافتتاح عرض جانب من القطع المتبقية والمستردة، ومواصلة العمل على حفظ المعلومات المتعلقة بمجموعة المتحف وما تعرضت له من نهب وتشتت وأضرار خلال سنوات الحرب.
مصادر التوثيق
شكّلت السجلات المتحفية والصور الأرشيفية التي أتاحها للمشروع آنذاك الأستاذ ياسر شوحان، المدير السابق لآثار محافظة دير الزور والمدير السابق لمتحف دير الزور، النواة الأولى التي انطلق منها مشروع متحف الرقة الافتراضي. وتعود هذه المواد إلى أرشيف توثيق القطع المتبقية والمستردة، الذي أُعدّ بعد عام 2017 بإشرافه وبمشاركة فريقه.
لا يزال متحف الرقة الافتراضي قيد التطوير، وسوف تُستكمل سجلاته وتُراجع وتُحدّث كلما توافرت وثائق جديدة أو دراسات علمية أو معلومات موثوقة. ولا يهدف المشروع إلى أن يكون بديلاً من متحف الرقة، بل إلى الإسهام في حفظ المعلومات المتعلقة بمجموعاته وتاريخه، ودعم دراستها، وإتاحتها للباحثين والجمهور.
لكل مساهمة أثرها. يعتمد مشروع المتحف الافتراضي السوري على العمل التطوعي والتبرعات الفردية لمواصلة أنشطته في توثيق التراث الثقافي السوري