مَنْ نَحْنُ؟
المتحفُ الافتراضيُّ السوريُّ هو مبادرةٌ مستقلةٌ، بحثيةٌ وغيرُ ربحيةٍ، تُعنى بتوثيقِ وعرضِ التراثِ الأثريِّ السوريِّ المحفوظِ في المتاحفِ الوطنيةِ، وتقديمِهِ ضمنَ إطارٍ علميٍّ وتفاعليٍّ لعامةِ الجمهورِ والباحثينَ المتخصصينَ على حدٍّ سواء. انطلقَ المشروعُ في عامِ 2016 بمبادرةٍ من منظمةِ ميراثَ للتراثِ الثقافيِّ السوريِّ، وهي منظمةٌ غيرُ ربحيةٍ مسجلةٌ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ، وذلكَ استجابةً لما شهدهُ التراثُ الثقافيُّ السوريُّ من مخاطرَ جسيمةٍ خلالَ سنواتِ النزاعِ المسلحِ، من تدميرٍ ونهبٍ وتغييبٍ منهجيّ.
لا يهدفُ المتحفُ الافتراضيُّ لأن يكونَ بديلاً عن المتاحفِ السوريةِ أو التراثِ الماديِّ الحقيقيِّ، بل يسعى لأن يُشكِّلَ أداةً مكملةً للجهودِ المؤسسيةِ والعلميةِ الراميةِ إلى الحفاظِ على الذاكرةِ الثقافيةِ السوريةِ. يوفرُ المشروعُ منصةً رقميةً تُتيحُ استكشافَ مقتنياتٍ أثريةٍ مختارةٍ من المتاحفِ السوريةِ، مرفقةً بشروحاتٍ دقيقةٍ، وصورٍ مرخصةٍ عاليةِ الجودةِ، ومراجعَ أكاديميةٍ موثوقةٍ، مما يُتيحُ لزوارِ الموقعِ — سواءٌ من العامةِ أو المختصينَ — فرصةَ التفاعلِ مع هذا التراثِ الغنيِّ، والاطلاعِ على أبعادهِ التاريخيةِ والثقافيةِ.
الرؤيةُ والرسالةُ
ينطلقُ المشروعُ من إيمانٍ عميقٍ بأنَّ المتحفَ الرقميَّ لا يُعوِّضُ ما فُقِدَ من تراثٍ، لكنهُ أداةٌ لحمايتِهِ من النسيانِ، وجسرٌ لربطِ الأجيالِ الجديدةِ بتاريخِها الثقافيِّ الغنيِّ. تتمثلُ رسالةُ المتحفِ الافتراضيِّ في ربطِ السوريينَ بتراثِهِم، وتعزيزِ الوعيِ العالميِّ بالحضارةِ السوريةِ العريقةِ، من خلالِ محتوىً معرفيٍّ بصريٍّ متاحٍ باللغتينِ العربيةِ والإنكليزيةِ، مع تطلعاتٍ لتوسيعِ النشرِ بلغاتٍ أُخرى في المستقبلِ.
كما يسعى المشروعُ إلى إنشاءِ بيئةٍ رقميةٍ مرجعيةٍ تكونُ بمثابةِ بنيةٍ تحتيةٍ معرفيةٍ تُتيحُ تقديمَ التراثِ السوريِّ للعالمِ بأسلوبٍ علميٍّ وعصريٍّ في آنٍ معاً. في هذا الإطارِ، يعرضُ المتحفُ الافتراضيُّ قطعاً مختارةً بعنايةٍ من عصورٍ متعددةٍ (ما قبلَ التاريخِ، السومريةِ، الأكاديةِ، الكنعانيةِ، الكلاسيكيةِ، البيزنطيةِ، الإسلاميةِ…) بهدفِ إبرازِ تنوعِ وغنى التجربةِ الثقافيةِ السوريةِ عبرَ الزمنِ.
البنيةُ والمنهجيةُ
يعتمدُ المشروعُ على منهجيةٍ تعاونيةٍ متعددةِ الاختصاصاتِ، تجمعُ بين خبراتِ باحثينَ في علمِ الآثارِ، والتاريخِ، والدراساتِ الكلاسيكيةِ، إلى جانبِ مختصينَ في المتاحفِ، والمحتوى الرقميِّ، واللغةِ. تُعرضُ كلُّ قطعةٍ أثريةٍ على المنصةِ ضمنَ سياقِها التاريخيِّ والثقافيِّ، مع وصفٍ تحليليٍّ مدعومٍ بالمصادرِ الأكاديميةِ المنشورةِ، وصورٍ موثقةٍ، مع خططٍ مستقبليةٍ لإدماجِ تقنياتٍ ثلاثيةِ الأبعادِ كلما توفرتِ المواردُ المناسبةُ.
تُنظَّمُ واجهةُ الموقعِ وفقَ نموذجِ “قاعاتٍ رقميةٍ”، تُمثِّلُ كلٌّ منها متحفاً أثرياً سورياً، مثلَ متحفِ دمشقَ الوطنيِّ، ومتاحفِ حلبَ، تدمرَ، الرقةِ، ديرِ الزورِ، السويداءِ وغيرها. وتحتوي كلُّ قاعةٍ على مقدمةٍ تعريفيةٍ بالمتحفِ، يليها عرضٌ لمجموعةٍ مختارةٍ من مقتنياتِهِ، بوصفٍ دقيقٍ ومتكاملٍ، يُراعي الاعتباراتِ العلميةَ والبيداغوجيةَ معاً.
الاستقلاليةُ والاستدامةُ
يُنفَّذُ مشروعُ المتحفِ الافتراضيِّ السوريِّ بجهودٍ تطوعيةٍ خالصةٍ، وبدونِ أيِّ تمويلٍ خارجيٍّ أو داخليٍّ، ولا يخضعُ لأيِّ سلطةٍ رسميةٍ سوريةٍ أو دوليةٍ. ورغمَ هذه المحدودياتِ، يسعى المشروعُ إلى الالتزامِ بأعلى معاييرِ الدقةِ الأكاديميةِ، مع الانفتاحِ على التعاونِ مع مؤسساتٍ ومتاحفَ وباحثينَ سوريينَ ودوليينَ راغبينَ في المساهمةِ المعرفيةِ والعلميةِ.
في ظلِّ التحدياتِ التي تُواجهُ القطاعَ الثقافيَّ في سوريا، يرى المشروعُ نفسَهُ كأداةٍ تربويةٍ وثقافيةٍ، مساندةٍ للمتاحفِ الوطنيةِ، ومؤهلةً لأن تكونَ جزءاً من البنيةِ التحتيةِ الرقميةِ التي تُسهمُ في إعادةِ إحياءِ النشاطِ الثقافيِّ والسياحيِّ في مرحلةِ إعادةِ الإعمارِ. كما يُوفِّرُ نموذجاً لكيفيةِ تسخيرِ التكنولوجيا الرقميةِ في سدِّ الفجوةِ بين البحثِ العلميِّ، والتعليمِ، والوصولِ المجتمعيِّ، لا سيما في سياقاتِ ما بعدَ الصراعِ.
باختصارٍ، المتحفُ الافتراضيُّ السوريُّ هو أرشيفٌ حيٌّ، ووسيلةٌ تعليميةٌ، ووثيقةٌ ثقافيةٌ معاصرةٌ. وهو شهادةٌ على صمودِ الثقافةِ السوريةِ في وجهِ التحدياتِ، ودعوةٌ مفتوحةٌ لاستكشافِ إرثِها العظيمِ، والحفاظِ عليهِ، ومشاركتِهِ مع الإنسانيةِ.
